الغزالي

60

الأربعين في اصول الدين

يستحمق نفسه إذا آثر واحدا على سبع وعشرين ! لا سيما فيما هو عماد الدين ومفتاح السعادة الأبدية . وأما الكفر ، فهو أن يخطر بباله أن هذا ليس كذلك ، وإنما ذكره للترغيب في الجماعة ، وإلا فأيّ مناسبة بين الجماعة وبين هذا العدد المخصوص من بين سائر الأعداد ؟ وهذا كفر خفيّ قد ينطوي عليه الصدر ، وصاحبه لا يشعر به ، فما أعظم حماقة من يصدق المنجم والطبيب في أمور أبعد من ذلك ، ولا يصدق النبي المكاشف بأسرار الملكوت ! فإن المنجّم لو قال لك : إذا انقضى سبعة وعشرون يوما من أول تحويل طالعك ، أصابتك نكبة فاحترز في ذلك اليوم ، واجلس في بيتك ! فلا تزال في تلك المدة تستشعر وتترك جميع أشغالك ؛ ولو سألت المنجم عن سببه لقال لك : إنما قلت ذلك لأن بين درجة الطالع وموضع زحل سبعا وعشرين درجة ، فتتأخر النكبة في كل درجة يوما أو شهرا ، فإذا قيل لك هذا هوس ، إذ لا مناسبة له فلا تصدقن به ، فلا يخلو قلبك عن الاستشعار . وتقول في أفعال اللّه تعالى عجائب لا تعرف مناسبتها ، ولعلها خواصّ لا تدرك ؛ وقد عرف بالتجربة أن ذلك مما يؤثر ، وإن لم تعرف مناسبته . ثم إذا آل الأمر إلى خبر النبوة عن الغيب ، أنكرت مثل هذه الخواص وطلبت المناسبة الصريحة ؛ فهل لهذا سبب إلا شرك خفيّ ، لا بل كفر جليّ ؟ إذ لا محمل له سواه . وسبب هذا التكاسل كله ، أنك لا يهمك أمر آخرتك ، فإن أمر دنياك لما كان يهمك ، فتحتاط فيه بقول المنجم والطبيب ، وبالاختلاج « 1 » والفأل والأمور البعيدة عن المناسبة غاية البعد ، وتنقاد إلى الاحتمالات البعيدة ؛ لأن الشفيق بسوء الظن مولع ، ولو تفكرت لعلمت أن هذا الاحتياط بالخطر الأبدي أليق . فإن قلت : ففي أي جنس من الأعمال ينبغي أن تتّبع السنّة ؟ فأقول : في كل ما وردت به السنّة ؛ والأخبار في ذلك كثيرة ، وذلك لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من احتجم يوم السبت والأربعاء فأصابه برص فلا يلومنّ إلا نفسه » . وقد احتجم بعض المحدثين يوم السبت ، وقال : هذا الحديث ضعيف ، فبرص وعظم ذلك عليه ، حتى رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المنام فشكا إليه ذلك ، فقال لم احتجمت يوم السبت ؟ فقال : لأن الراوي كان

--> ( 1 ) الاختلاج : التحرك والاضطراب .